محمد بن وليد الطرطوشي
83
سراج الملوك
فصل : في ممّن زهد في الدنيا من أبناء الملوك « * » : وممّن زهد في الدنيا ، وأبصر عيوبها من أبناء الملوك ، أبو عقال علوان بن الحسن « 1 » ، من بني الأغلب ، وهم ملوك المغرب ، وكان ذا نعمة وملك ، وله فتوّة ظاهرة ، فتاب إلى ربّه ، ورجع عن ذلك رجوعا فاق نظراءه ، فرفض المال والأهل ، وهجر البناء والوطن ، وبلغ من العبادة مبلغا أربى فيه على المجتهدين ، وعرف بإجابة الدعوة ، وكان عالما أديبا ، قد صحب عدة من أصحاب سحنون « 2 » ، وسمع منهم ، ثم انقطع إلى بعض السواحل ، فصحب رجلا يكنى أبا هارون الأندلسي ، منقطعا متبتلا إلى الله تعالى ، فلم ير منه كبير اجتهاد في العمل ، فبينا أبو عقال يتهجّد في بعض الليالي ، وأبو هارون نائم ، إذ غالبه النوم ، فقال لنفسه : يا نفس هذا عابد جليل القدر ، ينام الليل كلّه ، وأنا أسهر الليل كله ، فلو أرحت نفسي ، فوضع جنبه ، فرأى في منامه شخصا ، فتلا عليه : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ « 3 » [ الجاثية : 21 ] إلى آخر الآية ، فاستيقظ فزعا ، وعلم أنّه المراد ، فأيقظ أبا هارون ، وقال له : سألتك بالله ، هل أتيت كبيرة قط ؟ قال : لا يا ابن أخي ، ولا صغيرة عن تعمد والحمد لله ، فقال أبو عقال : لهذا تنام أنت ولا يصلح لمثلي إلا الكد والاجتهاد ! . ثم دخل إلى مكة ولزم بيت الله الحرام ، وحج مرارا وأربى على عبّاد المشرق « 4 » ، وكان يعمل بالقربة على ظهره بقوته ، ومات بمكة وهو ساجد في صلاة الفريضة بالمسجد الحرام سنة ست وتسعين ومائتين .
--> * من إضافات المحقق . ( 1 ) علوان بن الحسن : من أمراء الأغالبة ، وهم سلالة حكمت في أفريقية سنة 184 ه ( 800 م ) - 296 ه ( 909 م ) ، وكانت عاصمتهم القيروان ، أسسها إبراهيم بن الأغلب عامل هارون الرشيد ، وآخرهم زيادة الله ، قضى عليهم أبو عبد الله الشيعي ( الفاطمي ) وقد كان لهم أسطول كبير ، واشتهروا بآثارهم العمرانية . وقد زهد علوان في الدنيا ، ومات بالمسجد الحرام وهو ساجد ، سنة 296 ه . ( المنجد في الأعلام ص 54 ) . ( 2 ) سحنون : أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي ، والملقب بسحنون الزاهد ، فقيه مالكي من الكبار ، ولي قضاء القيروان ، له « المدونة الكبرى » ، توفي سنة 240 ه . ( الأعلام 4 / 5 ) . ( 3 ) ( سقطت العبارة من ط ) ، وتتمة الآية : سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ . ( 4 ) أي فاق عليهم في العبادة .